- En
- Fr
- عربي
من واقع الحياة
يُعدّ زواج القصّر من القضايا الاجتماعية التي تثير جدلًا واسعًا في مختلف المجتمعات، لما ينطوي عليه من أبعادٍ إنسانية ونفسية وصحية عميقة. وفيما يراه البعض تقليدًا متجذرًا أو مخرجًا لظروفٍ اجتماعية معينة، ينظر إليه آخرون بوصفه ظاهرة سلبية تؤثر في مستقبل الأفراد، ولا سيما الفتيات، إذ يحرمهنّ من حقوقٍ أساسية كالتعليم والنمو الطبيعي. ومع تزايد الوعي العالمي بحقوق الطفل والمرأة، تُطرح هذه الظاهرة بقوة بهدف فهم أسبابها الكامنة، وتحليل آثارها المتعددة على الفرد والمجتمع. ومن هنا تبرز أهمية مقاربة هذا الموضوع بقراءة واعية تسلّط الضوء على مختلف أبعاده، وتكشف نتائجه بعيدة المدى، بما يسهم في الحدّ منه وتعزيز وعي مجتمعي أكثر نضجًا حياله.
في حديثٍ مع السيدة رشا وزنة، مسؤولة التواصل والحملات في التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني، توضح أنّ القانون اللبناني، استنادًا إلى المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل، يعتبر كل من لم يبلغ الثامنة عشرة طفلًا، ما يعني أنّ الزواج قبل هذه السن يُعدّ انتهاكًا لحقوق الطفل الأساسية. لذلك، يُفضَّل استخدام مصطلح «تزويج الأطفال» بدلًا من «الزواج المبكر»، كونه يعكس غياب إرادة الطفل وكون القرار يُفرض عليه.
وتضيف أنّ من بين العوامل التي تسهم في انتشار هذه الظاهرة العادات والتقاليد المتجذرة، حيث يُنظر إلى زواج الفتاة المبكر كوسيلة للحفاظ على «السمعة»، أو كخيارٍ أفضل من بقائها من دون زواج. كما تلعب الضغوط الاجتماعية دورًا بارزًا، إذ تخشى بعض العائلات من بلوغ الفتاة عمرًا معينًا من دون زواج، فتُوصم بـ «التأخر»، ما يدفع الأهل إلى اتخاذ قرارات متسرعة لا تراعي مصلحتها أو جاهزيتها النفسية والجسدية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع سماح بعض المحاكم الروحية والمرجعيات الدينية بإتمام هذا النوع من الزيجات ضمن شروطٍ معينة، ما يفتح الباب أمام تزويج القُصَّر في سنّ صغيرة.
وفي بعض الحالات، ترتبط هذه الظاهرة أيضًا بعواملَ معيشية، إذ ترى بعض الأسر في تزويج بناتها وسيلة لتخفيف الأعباء، فيتحول الزواج إلى آلية تكيّف مع الظروف، بدلًا من أن يكون خيارًا نابعًا من النضج والاستعداد. وتسهم هذه العوامل مجتمعةً في ترسيخ الظاهرة، رغم ما تحمله من مخاطر على صحة الفتاة، وتعليمها، واستقرارها النفسي والاجتماعي، فضلًا عن انعكاساتها السلبية على المجتمع ككل.
طفولة مسلوبة
تتجلى آثار التزويج المبكر على مستوياتٍ متعددة، اجتماعيًا ونفسيًا وصحيًا، إذ لا تقتصر تداعياته على الفرد فحسب، بل تمتد لتطال بنية المجتمع واستقراره. فعلى الصعيد الاجتماعي، يُسهم هذا النمط من الزواج في تكريس دائرة الفقر والجهل، نتيجة انقطاع الفتاة عن التعليم، ما يحدّ من فرصها في العمل وتحقيق الاستقلال المادي. كما يعزز أنماطًا تقليدية تعيق تطوّر المجتمع، ويرفع من نسب البطالة والاعتماد على الغير، فضلًا عن زيادة معدلات الطلاق بسبب غياب النضج الكافي لتحمّل مسؤوليات الحياة الزوجية.
وتشير وزنة إلى أنّ العديد من الحالات الواقعية لفتيات زُوِّجن في سنٍ مبكرة تكشف الغبن الذي تعرّضن له، إذ قد تتزوج إحداهن في الثالثة عشرة، لتجد نفسها مطلّقة في السابعة عشرة، عالقة في دائرةٍ من الحرمان كانت تظن أنها ستنجو منها. وبدلًا من أن تبدأ حياتها، تصبح مسؤولة عن طفلٍ أو أكثر في ظل غياب الاستقرار وتزايد التفكك الأسري. وتعبّر كثير من هؤلاء الفتيات عن شعورٍ عميق بالخسارة، مؤكدات أنّهن فقدن طفولتهن، بخاصةٍ عندما يشاهدن فتيات في أعمارهنّ يعشن حياة طبيعية، يدرسن ويلعبن من دون تحمّل
أعباء تفوق سنّهن. وتعمّق هذه المقارنات الإحساس بالندم، وتكشف حجم الأثر النفسي الذي يخلّفه تزويج الأطفال.
وعلى الصعيد النفسي، يفرض الزواج في سن مبكرة أعباءً تفوق قدرة الفرد على التكيّف، ما يؤدي إلى القلق والتوتر وفقدان الاستقرار العاطفي. وقد يواجه الزوجان صعوبة في بناء علاقة قائمة على التفاهم، نتيجة نقص الخبرة الحياتية والنضج الفكري، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الصحة النفسية، وقد يؤدي إلى الاكتئاب أو العزلة. فهذا النوع من الزواج يحدث في مرحلة مفصلية من النمو الشخصي، بين المراهقة وبداية الشباب، وهي مرحلة أساسية لاكتشاف الذات وبناء الهوية وتكوين العلاقات الاجتماعية، ما يجعل انقطاعها سببًا لشعور لاحق بالضياع أو الندم.
أما من الناحية الصحية، فيُعدّ تزويج الأطفال، خصوصًا لدى الفتيات، عامل خطر على الصحة الجسدية، إذ قد تتعرض الفتاة لمضاعفات نتيجة الحمل والولادة في سنٍ صغيرة، مثل سوء التغذية أو مشكلات في الجهاز التناسلي. كما يزداد احتمال ولادة أطفال يعانون مشكلاتٍ صحية، بسبب عدم جاهزية الأم جسديًا ونفسيًا. ويُضاف إلى ذلك أنّ العديد من الأزواج الصغار يفتقرون إلى المعرفة والرعاية الصحية السليمة خلال فترة الحمل، ما ينعكس سلبًا على صحة الأم والطفل معًا.
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم الاغتصاب الزوجي كأحد أخطر الانتهاكات التي قد تتعرض لها الفتيات ضمن هذا النوع من الزواج، إلى جانب احتمالات العنف الجنسي واللفظي. كما أنّ عدم القدرة على الرفض أو التعبير عن الإرادة، نتيجة الخوف أو الضغوط النفسية، يحوّل العلاقة الزوجية إلى تجربة قسرية تترك آثارًا سلبية طويلة الأمد على الصحة النفسية والجسدية.
تعقيدات قانونية
تختم وزنة بالإشارة إلى أنّ مسألة تزويج الأطفال في لبنان معقّدة قانونيًا، نظرًا لغياب قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، وخضوع هذه القضايا لأنظمة دينية متعددة. وحتى اليوم، لا يوجد حدّ أدنى موحّد لسن الزواج، إذ تسمح بعض القوانين بزواج القاصرين دون سن الثامنة عشرة، وأحيانًا دون الخامسة عشرة. وقد قُدّمت عدّة اقتراحات قوانين لتحديد سن الزواج بـ 18عامًا لكلا الجنسين، وتجريم تزويج القاصرين وفرض عقوبات على المخالفين.
وبذلك، لا يمنع القانون اللبناني هذه الظاهرة بشكلٍ صريح وشامل، بل يترك المجال مفتوحًا في ظل تعددية الأنظمة وغياب تشريع موحّد. وعلى الرغم من الجهود الحقوقية والتشريعية، ما تزال هذه المبادرات تصطدم ببنية قانونية طائفية تعيق إقرار قانون جامع يحمي الأطفال.
ويُذكر في هذا السياق، أنّ بعض المجتمعات بدأت تشهد تحولًا تدريجيًا في نظرتها إلى هذه الظاهرة، مع ازدياد الوعي بتداعياتها، ودور التعليم والإعلام في إعادة تشكيل القيم الاجتماعية باتجاه تأخير سنّ الزواج.
تكشف المعطيات مجتمعةً، أنّ تزويج الأطفال ليس مجرد قرار فردي، بل قضية متعددة الأبعاد، وظاهرة معقّدة تتداخل فيها العادات والظروف والقوانين ومستوى النضج الثقافي، ما يستدعي معالجتها من خلال وعيٍ مجتمعي وجهودٍ متكاملة تشمل التوعية وتعزيز التعليم ونشر الثقافة الصحية، إلى جانب توفير الدعم اللازم وتمكين الأفراد من اتخاذ قراراتهم بحرية ومسؤولية بما يرسّخ أسس مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا، ويحمي حقوق الأجيال المقبلة.
76% يرفضون الزواج المبكر
بينّت دراسة ميدانية أجراها التجمّع النسائي الديمقراطي اللبناني سنة 2023 أن 76 في المئة من الذين شملتهم العيّنة يرفضون زواج من تقلّ أعمارهم عن 18 سنة.











