صحتنا النفسية

الصحة النفسية تحت النار كيف نواجه الضغط النفسي في ظلّ الأزمات؟
إعداد: روجينا خليل الشختورة

في بلدٍ أنهكته الأزمات الاقتصادية الحادة والاضطرابات السياسية المتواصلة، تأتي الحرب لتضع اللبنانيين تحت ضغطٍ نفسي لا يُحتمل. لم يعد القلق والخوف مجرد مشاعر عابرة، بل تَحوّلا إلى جزءٍ من الحياة اليومية في ظل الشعور بعدم الأمان وانعدام الاستقرار.
يعيش اللبناني اليوم في حالة توترٍ دائم، يترقّب الأخبار بقلقٍ شديد، وكأنّ الهدوء أصبح حالةً نادرة. الأمهات يعانين من خوفٍ مستمر على أسرهنّ، فيما يشعر الآباء بالعجز أمام تلبية الاحتياجات المادية والنفسية لعائلاتهم. كما أنّ مشاهد العنف، وأصوات الانفجارات، وانقطاع الكهرباء المتكرر، كلّها عوامل تُفاقم المعاناة النفسية وتزيد من حدّتها.
أمام هذا الواقع، يصبح الجميع بحاجة ماسّة إلى مساحة آمنة للتعبير عمّا يشعرون به. إنها حالة طوارئ نفسية حقيقية، إذ يتراكم الخوف ويتعمّق الشعور بانعدام الأمان، وتترك صدمات الحرب آثارها على السلام الداخلي للأفراد، من الأطفال إلى البالغين.
من هنا، لم يعد ممكنًا التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها مسألة ثانوية أو مؤجّلة. فلبنان، الذي ما زال يحمل جراح حروبه السابقة، يواجه اليوم تحدّيًا نفسيًا لا يقلّ خطورة عن الأزمات الأخرى. ففي الحروب لا تسقط الأبنية فقط، بل تتصدّع النفوس أيضًا، وإذا لم تُرمَّم هذه الجراح النفسية، قد تبقى آثارها لسنواتٍ طويلة وتتجاوز حجم الدمار الظاهر.
في هذا السياق، تشير الوقائع إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة خلال السنوات الأخيرة، وبحسب المعالجة النفسية ديالا عيتاني، يعاني كثيرون صعوبةً في التركيز، وضيقًا في التنفّس، وتسارعًا في ضربات القلب، وهي أعراض نفسية مرتبطة بالضغط المزمن والخوف المستمر.

 


مواجهة الضغط النفسي
في ظلّ واقعٍ قد يزداد صعوبة في المرحلة المقبلة، لم يعد التعامل مع الصحة النفسية خيارًا، بل ضرورة يومية لحماية التوازن الداخلي والقدرة على الاستمرار. وإذا كان الفرد لا يستطيع تغيير الظروف المحيطة به، فبإمكانه أن يخفّف من تأثيرها عبر خطواتٍ بسيطة لكنها فعّالة. فتقنين التعرّض للأخبار مثلًا يُعدّ خطوة أساسية، إذ إنّ المتابعة المستمرة تزيد نسبة القلق والتوتر. كما أنّ مشاركة المشاعر مع شخص موثوق تساعد على تفريغ الضغط ومنع تراكمه. كذلك، يسهم الحفاظ على روتين يومي بسيط في تعزيز الشعور بالاستقرار، إلى جانب الاهتمام بالصحة الجسدية من خلال النوم الكافي والتغذية والحركة.
أما بالنسبة إلى الأطفال، فإنّ الروتين اليومي يمنحهم شعورًا بالأمان وسط الأجواء المضطربة، كما أنّ تقليل الوقت أمام الشاشات واستبداله بأنشطة مفيدة يساعد في تحسين حالتهم النفسية والتخفيف من التوتر.
وتوضح عيتاني أنّه مع اقتراب انتهاء العام الدراسي، يدخل الأطفال في فترةٍ طويلة من الفراغ، قد تتحوّل، في ظل التوتر العام، إلى مصدر إضافي للمشاحنات داخل المنزل. لذلك، يصبح تنظيم وقتهم بطريقة متوازنة أمرًا ضروريًا، بما يحميهم نفسيًا ويخفّف الضغط عن الأهل.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تفهّم مشاعر الأطفال، والابتعاد عن الصراخ، وتخصيص وقت يومي للحوار معهم وخلق لحظات إيجابية بسيطة تمنحهم الطمأنينة والاستقرار.


أفكار نشاطات بسيطة وقليلة الكلفة
في ظل الظروف الصعبة، يمكن لبعض النشاطات اليومية البسيطة أن تسهم في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية، سواء للأطفال أو للكبار، مثل: اللعب في الهواء الطلق، الرسم والأشغال اليدوية، القراءة أو تأليف القصص، المساعدة في الأعمال المنزلية، الألعاب العائلية، وتخصيص ساعة هدوء يومية بعيدًا عن الأخبار والشاشات.
أما في الحالات التي يتفاقم فيها القلق، فإنّ طلب المساعدة المتخصصة يصبح ضرورة، لا ترفًا.


ماذا تفعل عند نوبة هلع؟
عندما يتفاقم القلق أو تظهر أعراض نوبات الهلع، يمكن اتباع بعض الخطوات السريعة للمساعدة على استعادة الهدوء:

  • التنفّس ببطء: شهيق لمدة 4 ثوانٍ، حبس النفس لثانيتين، ثم زفير لمدة 6 ثوانٍ.
  • التركيز على الحواس، مثل تسمية 5 أشياء يراها الفرد.
  • تذكير النفس بأنّ هذا الشعور مؤقت وسيزول.
  • الجلوس في مكان هادئ.
  • طلب المساعدة عند تكرار النوبات.


كيف تتصرف الأم مع طفلٍ خائف؟
في حال كان الطفل يعيش حالة خوف أو قلق مستمر، يُنصح بـ:

  • الاستماع إليه بهدوء ومن دون مقاطعة.
  • طمأنته بصدق ومن دون مبالغة.
  • شرح ما يحدث بطريقة بسيطة تناسب عمره.
  • إبعاده قدر الإمكان عن الأخبار والمشاهد العنيفة.
  • تعزيز شعوره بالأمان عبر الاحتضان والروتين اليومي.
  • استشارة متخصص إذا استمر الخوف لفترةٍ طويلة.
    في النهاية، لا تقاس الحروب فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، فهناك خسائر صامتة تسكن كل بيت، وفي داخل كلّ إنسان يعيش تحت وطأة القلق. ومسار الإنقاذ لا يبدأ بإعادة إعمار الحجر فحسب، بل باستعادة الإنسان لتوازنه النفسي وترميم ما خلّفته الأزمات في داخله. ورغم كلّ الصعوبات، يبقى الأمل خيارًا يوميًا، وأحد أشكال الصمود في مواجهة واقعٍ قاسٍ ومضطرب.