- En
- Fr
- عربي
تعليم
تتسارع وتيرة التكنولوجيا مُحدِثةً تحوّلًا عميقًا في مشهد التعليم، وفي خضم هذا التحول تبرز ظاهرة الغش بوجوهٍ جديدة ومعقّدة. في لقاءٍ مع الخبيرة في التدريب والتوجيه المدرسي ريتا مراد رشيد، تتكشّف أبعاد المشكلة من منظورَيْن تربوي ونفسي، وتظهر الحاجة الملحّة إلى حلولٍ تربوية شاملة تُعيد للمؤسسات التعليمية دورها التكويني. ويقدّم هذا الحوار رؤية متوازنة تجمع بين تشخيص الأسباب واقتراح الإجراءات العملية لمواجهة الانحرافات السلوكية في المدارس.
لم يعد الغش محصورًا في غرف الإمتحان أو في صفحات مراجع قديمة، تؤكّد رشيد، بل امتدّ ليطال الواجبات المنزلية وحتى المشاريع المدرسية، وذلك مع ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت تُنجز المهام بدلًا من أن تكون وسيلة داعمة للتعلّم. فالتكنولوجيا لم تؤدِّ فقط إلى سهولة الوصول إلى طرق الغش – من ساعاتٍ ذكية وسماعاتٍ مخفية إلى تطبيقاتٍ متخصصة – بل غيّرت جوهر العملية التعليمية نفسها: لم يعد الطالب يفكّر بالقدر الكافي، بل يُعوَّض تفكيره آليًا، ما يحرمه من فرصة تطوير مهاراته الحقيقية.
ولا تقع مسؤولية هذا الانحدار على الطالب وحده، إذ تشير رشيد إلى أنّ الغش غالبًا ما يشكّل نداء استغاثة مبطّنًا. فهناك عوامل متعددة تدفع التلميذ إلى هذا السلوك، من بينها ضغوط الأهل لتحصيل درجاتٍ عالية، والخوف من الفشل أو العقاب، وصعوبة المناهج، فضلًا عن ضعف مهارات التنظيم الدراسي، والمقارنة المستمرة بالأقران، إلى تدنّي الثقة بالنفس. وفي كثيرٍ من الحالات، يُعدّ الغش رسالةً تطلب الانتباه إلى خللٍ أوسع في البيئة التعليمية والأسرة، لا مجرد دليل على تراجع القيم الأخلاقية.
وتُحمّل رشيد المناهج وأساليب التقييم جزءًا من المسؤولية، إذ إنّ اعتماد مقاربات تقليدية تركّز على الامتحان كأداة قياس وحيدة، يُجبر التلميذ على السعي وراء العلامة بدلًا من السعي إلى الفهم. ومن هنا، تشدد على ضرورة تنويع آليات التقييم لتشمل العروض الشفوية، والمشاريع، والبحوث، والتقييم المستمر، وهي أساليب تشجّع التفكير النقدي وتمنح الطلاب فرصًا متعددة لإظهار إتقانهم للمادة بطرقٍ مختلفة.
وفي هذا الإطار، تؤدّي المدرسة دور الحَكم الفعلي في مكافحة ظاهرة الغش، من تنظيم المراقبة العادلة في أثناء الامتحانات، إلى صياغة قوانين واضحة وتطبيقها على الجميع من دون تمييز، وصولًا إلى ترسيخ ثقافة النزاهة داخل البيئة التعليمية. أمّا العقوبات وحدها فهي ليست كافية؛ إذ يبقى الأثر الأعمق رهينًا بمقاربة متوازنة تجمع بين الحزم وبناء نظام دعمٍ نفسي وتربوي يهدف إلى فهم دوافع الطالب ومعالجتها بدلًا من الاقتصار على المعاقبة.
على الصعيد النفسي، توضح رشيد أنّ تأثير الغش مزدوج: فهو يمنح الطالب على المدى القصير شعورًا زائفًا بالنجاح، لكنّه على المدى البعيد يُضعِف الثقة بالنفس ويزيد مشاعر الذنب والقلق، كما يؤدّي إلى قصورٍ في المهارات الحقيقية والقدرة على مواجهة تحدّيات الحياة العملية. وينعكس هذا المسار سلبًا على شخصية الطالب ويحد من استقلاليته، ما يجعل معالجة الظاهرة أمرًا ذا بعدٍ اجتماعيٍ واقتصادي، لا تربويٍ فردي فحسب.
ويبرز التفاوت بين المدارس الرسمية والخاصة كعاملٍ مؤثّر في حجم الظاهرة؛ إذ إنّ معدلات الغش تتفاوت باختلاف مستوى الرقابة، وثقافة المؤسسة، وضغط الأهالي، وكثافة الفصول. وكلما توافرت موارد أفضل ورقابة أكثر انتظامًا، تراجع احتمال لجوء الطلاب إلى أساليب غشٍ متقدمة. من هنا، تدعو إلى توحيد معايير النزاهة، وتوفير برامج توعوية متكاملة في مختلف المؤسسات التعليمية.
أما عن الحلول، فتؤكد رشيد أنّ الأولوية المطلقة تكمن في التربية على القيم الأخلاقية والنزاهة، إلى جانب تطوير طرق التقييم، وتعليم مهارات تنظيم الوقت، وإدماج تقنيات التدريس التي تثير اهتمام الطالب وتدفعه إلى المشاركة الفعلية في العملية التعليمية. كما تشدد على ضرورة إشراك الأهل عبر جلسات توجيهية وميثاق شرف يلتزمه الطالب كما الأسرة والمدرسة، فضلًا عن برامج إرشاد مستمرة تبني حوارًا مفتوحًا يخفّف مناخ الخوف والرهبة الذي يدفع بعض الطلاب إلى الغش.
وخلاصة القول، إنّ مواجهة الغش تتطلّب استراتيجيات تربوية متكاملة تجمع بين تحديث المناهج، وتنويع أساليب التقييم، ودعم الطالب نفسيًا وتربويًا، إلى جانب تفعيل دور الأسرة والمدرسة في ترسيخ القيم. ومن دون هذا التكامل، سيبقى الغش ظاهرة مرآةً لعجز النظام التعليمي عن بناء مواطنين يمتلكون المعرفة والمسؤولية معًا.











