- En
- Fr
- عربي
شباب وجامعات
في لبنان، يتخرّج آلاف الطلاب سنويًا من الجامعات، وغالبًا ما تتركّز شهاداتهم في اختصاصات معيّنة تتكدّس فيها أعداد كبيرة من الخرّيجين، ما يخلق فائضًا في هذه القطاعات. وبعد التخرّج، يجد كثيرون أنفسهم بلا عمل، أو في وظائف لا تمتّ بصلة إلى مجال دراستهم. في المقابل، تعاني قطاعات أخرى نقصًا في الاختصاصيين، ما يجعلها تجهد لاستقطاب الكفاءات لملء شواغرها.
أمام هذا الواقع، يبرز التساؤل: أين تكمن المشكلة التي يواجهها الخرّيجون؟ هل هي في محدودية الفرص، أم في الفجوة بين الاختصاصات المتخمة بالاختصاصيين وحاجات سوق العمل الفعلية؟
يُلاحَظ في الآونة الأخيرة فائضٌ كبير في أعداد المتخرّجين من اختصاصات معيّنة، مثل الطب العام وطب الأسنان، وإدارة الأعمال، والحقوق، والعلوم السياسية، والإعلام، وبعض فروع الهندسة، ما يجعل فرص العمل في هذه المجالات محدودة قياسًا إلى الكمّ الهائل من المتخصّصين.
في المقابل، تعاني قطاعات أخرى نقصًا حادًا في اليد العاملة المتخصّصة. فالمستشفيات تبحث عن ممرضين وممرضات، ومعالجين فيزيائيين، ومدراء في مجال الرعاية الصحية. كما تعاني شركات التكنولوجيا نقصًا في مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي، وأنظمة المعلومات الحاسوبية، فيما تفتقر بعض فروع الهندسة إلى الكفاءات، لا سيما في مجالات الهندسة الطبية الحيوية، والهندسة الكهربائية والإلكترونية، والهندسة الزراعية. إلى ذلك، تعاني المهن الحرفية والتقنية شحًا ملحوظًا، سواء في عدد العاملين فيها أو في أعداد المتخرّجين منها.
فجوة بين العرض والطلب
من هنا، يُلاحظ أنّ الفجوة بين أعداد المتخرّجين وحاجات سوق العمل الفعلية تظهر لدى اختيار الطالب لاختصاص يشهد فائضًا في الكفاءات. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يدفع إلى هذا الخيار؟ غالبًا ما تكون رغبة الطالب هي التي تدير دفّته في اتّجاه اختصاص معيّن يرى فيه تحقيقًا لذاته، غير أنّ هذا الاختيار لا يكون دائمًا مبنيًا على معطيات واقعية أو رؤية مدروسة، إذ قد يخضع أحيانًا لتوجيه غير دقيق نحو مجالات معيّنة.
وفي هذا الصدد تؤكد السيدة تالار تهمجيان، المسؤولة الإدارية في القسم الأكاديمي لإحدى المؤسسات المعنية بتوجيه الطلاب، أنّ غياب التوجيه المهني الحقيقي يُعدّ سببًا أساسيًا في الاختيار الخاطئ. وتوضح أنّ عامل الـ «برستيج» يسهم في تعميق هذه الفجوة، إذ يسود اعتقادٌ بأنّ بعض الاختصاصات، ولاسيما الأكاديمية منها مثل المحاماة وإدارة الأعمال والطب والهندسة، «أرقى» من سواها وخصوصًا الوظائف المهنية والتقنية، حتى وإن كانت فرص العمل فيها أقل.
وتلفت إلى أنّ كثيرين يجهلون أنّ الوظائف المهنية شهدت تطورًا ملحوظًا، وأصبحت تعتمد بدورها على التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، شأنها شأن سائر القطاعات. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز التوعية لدى الطلاب في هذا المجال، كي يعوا أنّ أي مهنة لا تقلّ قيمةً عن الأخرى، وأنّ مختلف الاختصاصات تتكامل لتأمين استمرارية عمل المجتمع وخدماته بسلاسة وكفاءة.
وما يزيد من حدّة المشكلة، هو عدم وجود إحصاءات رسمية وبيانات واضحة حول حجم الوظائف التي تنمو وتزيد فرص العمل فيها مقابل القطاعات التي بات المتخصصون فيها يشكلون فائضًا ولم تعد قادرة على استيعاب مزيدٍ من المتخرجين. فبغياب هذه المعطيات، قد يُقبل التلميذ على اختصاص يظنّه مطلوبًا، ليجد نفسه لاحقًا أمام واقع مغاير، حيث تتضاءل فرص العمل قياسًا إلى أعداد المتخرّجين.
حلول ممكنة
في هذا السياق، تشير السيدة تهماجيان إلى مجموعة من الحلول العملية القابلة للتنفيذ للحد من الفجوة بين أعداد المتخرّجين وحاجات سوق العمل، بما يسهم أيضًا في الحد من تفاقم البطالة. من الممكن مثلًا، تكليف جهة مختصّة بإعداد تقارير سنوية مبسّطة حول واقع سوق العمل ونشرها، حيث تكون متاحة وسهلة الاطّلاع، فتساعد في توجيه الطلاب بطريقةٍ دقيقة وفعّالة. ويمكن أن تتضمّن هذه التقارير مؤشرات أساسية، مثل أكثر عشر وظائف طلبًا خلال العام، ومتوسط الرواتب بحسب الاختصاص، ونسب البطالة في كل قطاع، إلى جانب معطيات مماثلة تساعد على بناء رؤية أوضح.
من الخطوات الفعّالة أيضًا، تعزيز التوجيه المباشر للطالب عبر تنظيم معارض توظيف للتعريف عن فرص العمل المتاحة. ومن المهم أيضًا، التعاون مع شركات وجهات على اطّلاع بحاجات سوق العمل وقادرة على الاستفادة من ميزات كل تلميذ لتوجيهه إلى المجال الذي يوافق قدراته الفردية ويناسب تطلعاته بما يضمن توافقًا أفضل بين الاختيارات الأكاديمية والآفاق المهنية.
وتوضح السيدة تهماجيان أنّ التوجيه الفعّال ينبغي أن يستند إلى تقييم شامل لشخصية الطالب، وقدراته العملية، ومواهبه، واهتماماته، إلى جانب نتائجه الأكاديمية. وعلى أساس هذه المعطيات، يمكن توجيهه نحو المجالات التي يمكن أن يبرع فيها أكثر من سواها، وتقديم إرشاد أكثر دقّة وخصوصية، بعيدًا عن التعميم، نظرًا لاختلاف مسارات الطلاب واهتماماتهم.
كذلك، يُشكّل التركيز على تنمية المهارات العملية والشخصية عنصرًا أساسيًا في إعداد الطلاب لسوق العمل، من خلال إتاحة تجارب تطبيقية خلال سنوات الدراسة تُمكّنهم من اكتساب خبرات مبكرة. فهذا النهج يعزّز جاهزيتهم المهنية بعد التخرّج، ويدعم فرصهم في الالتحاق بالجامعات التي يطمحون إليها، لا سيما وأنّ العديد من المؤسسات التعليمية باتت تولي أهمية للرسائل التحفيزية والمهارات المكتسبة، لما لها من دور في إبراز شخصية الطالب وقدرته على التعبير والإقناع وترك انطباع مميّز.
أدوار متكاملة
وللجامعات دورٌ أساسي في الحدّ من الفجوة بين أعداد المتخصصين وحاجات سوق العمل، إذ يمكنها إعادة النظر في توزيع مقاعدها، عبر تقليص القبول في الاختصاصات المشبعة، مقابل زيادة عدد المقاعد في المجالات التي تعاني شحًا في الكفاءات. وعلى مستوى سوق العمل، يمكن أن تتبنى الشركات طلاب الجامعات بدءًا من سنتهم الثانية، وتقدم لهم تدريبًا مدفوعًا من شأنه أن يمنحهم خبرة أوسع في مجال تخصّصهم، وفهمًا أعمق لبيئة العمل في مجال التخصص الذي اختاروه.
وتؤكّد السيدة تهماجيان أنّ أهم صفة ينبغي أن يتحلّى بها الطالب ليتميّز حيثما اتجه، هي فرادته وقدرته على إبراز تميّزه. وتشير إلى أنّ اختيار المسار لا ينبغي أن يقوم على العائد المادي وحده، بل على الشغف أيضًا، تفاديًا للوصول إلى مرحلة يعجز فيها الفرد عن أداء عمله بالكفاءة المطلوبة.
وتضيف أنّ تنوّع الخيارات ضمن المجال الواحد يساعد الطالب على إيجاد المسار الأقرب إلى ميوله وقدراته. فالطالب المبدع، على سبيل المثال، يمكنه الاختيار بين مجالات متعدّدة ضمن الهندسة أو التصميم، كما تتّسع الخيارات أيضًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما يتيح لكل طالب تحديد المسار الذي يعبّر عن إمكاناته.
ختامًا، يجب ألّا يُعتبر توجيه الطالب تقييدًا لحريته، بل خطوةً أساسية لحماية مستقبله. فحين يستند التوجيه إلى أسس سليمة، تنخفض معدلات البطالة، ويصبح الخرّيج مساهمًا فعالًا في بناء اقتصاد منتِج في المجتمع بدل أن تبقى الشهادة مجرّد وثيقة معلّقة على الجدار.











