- En
- Fr
- عربي
دماؤهم حبر
تجاوزت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان حدود المواجهة العسكرية، وامتدّت لتستهدف الكلمة والصورة، في محاولةٍ لإسكات الرواية ومنع توثيق الحقيقة. شكّلت ساحة استهدافٍ مباشر للإعلاميين الذين تحوّلت كاميراتهم إلى شاهدٍ على الغدر والظلم، فيما كُتبت الحكايات بدم من حملوا مسؤولية روايتها.
لم يكن الصحافيون الذين انتشروا على الحدود الجنوبية للبنان سوى شهود يحملون أدواتهم المهنية: الكاميرات، الميكروفون، أجهزة البث والتسجيل، والأوراق والأقلام. ومع ذلك وجد الكثيرون منهم أنفسهم في دائرة الاستهداف المباشر. ففيما كانت العدسات تنقل مشاهد القصف والدمار، سقط عدد من الإعلاميين بين شهيدٍ وجريح، في أحداث دفعت منظمات دولية وهيئات حقوقية إلى المطالبة بتحقيقاتٍ مستقلة، معتبرةً أنّ بعض هذه الوقائع ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
خلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تحوّلت التغطية الإعلامية من مهمّة محفوفة بالمخاطر إلى مواجهة مفتوحة مع الموت، في ظلّ استهداف الصحافيين إمّا بشكلٍ مباشر أو عبر هجماتٍ لم تُراعِ وجودهم الواضح في الميدان.
حين تتحوّل الكلمة إلى هدف
شكّل استشهاد عدد من الصحافيين صدمة كبيرة ومؤشرًا خطيرًا على تصاعد استهداف الإعلاميين من دون أي رادع. وقد شهد شهرا آذار ونيسان من العام الجاري اعتداءات متكررة، استشهد خلالها وأُصيب عددٌ من الإعلاميين بجروحٍ متفاوتة، بينهم مصوّرون ومراسِلون كانوا يؤدّون مهامهم في ظروفٍ بالغة الخطورة، ما يعكس «نمطًا متكررًا وخطيرًا من استهداف الإعلاميين خلال التغطية» وفق ما أكّده مركز الخليج لحقوق الإنسان. يُذكر في هذا الإطار أنّ منظمات حقوقية دولية وثّقت، منذ تشرين الأول من العام 2023، مقتل 27 عاملًا في المجال الإعلامي وإصابة ما لا يقل عن 15 آخرين بجروحٍ، من جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي شهدتها مناطق مختلفة من لبنان.
وفي السياق، ذكر تقريرٌ للجنة حماية الصحافيين، أنّ العام 2025 سجّل رقمًا قياسيًا في عدد الإعلاميين الذين قُتلوا حول العالم، مشيرةً إلى أنّ القسم الأكبر من الضحايا سقطوا نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان. واعتبرت أنّ هذه الحرب من أكثر الفترات دموية بحق الصحافيين منذ بدء توثيقها للانتهاكات قبل أكثر من ثلاثة عقود.
إدانات ومطالب بالمحاسبة
أثارت الاعتداءات المتكررة على الطواقم الإعلامية في لبنان ردود فعلٍ رسمية لبنانية ودولية، شدّدت على خطورة استهداف الإعلاميين وضرورة محاسبة المسؤولين. كما عبّرت منظمات معنية بحرّية الصحافة عن قلقها من تكرار استهداف الإعلاميين. فقد دعت منظمة لجنة حماية الصحافيين إلى إجراء تحقيقات شفافة، مؤكدة أنّ الصحافيين مدنيون ويجب ألّا يكونوا أهدافًا في النزاعات، وأي استهداف لهم يستوجب مساءلة واضحة. كما جدّدت منظمة الأمم المتحدة عبر مسؤوليها التأكيد على أنّ القانون الدولي الإنساني يضمن حماية الصحافيين باعتبارهم مدنيين، وأي انتهاك لذلك قد يرقى إلى جريمة تستوجب التحقيق.
في القانون الدولي: هل يشكّل استهداف الصحافيين جريمة حرب؟
يمنح القانون الدولي الإنساني الصحافيين العاملين في مناطق النزاع صفة المدنيين، ويوفّر لهم حماية خاصة بموجب المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، ما داموا لا يشاركون مباشرة في الأعمال القتالية. وبناءً عليه، يمكن أن تُصنَّف الاستهدافات المتعمّدة للصحافيين كجرائم حرب تستوجب التحقيق والمحاسبة. وفي هذا السياق، أدّت الشكاوى والتحقيقات القانونية، التي تواصلت وتصاعدت، إلى نتائج سياسية وحقوقية بارزة على الساحة الدولية. فقد أفضت هذه التحرّكات إلى إدانات أممية واضحة، إذ دعا خبراء الأمم المتحدة في نيسان 2026 إلى فتح تحقيق دولي مستقل في استهداف الصحفيين في لبنان.
أما على صعيد التحرّكات القضائية والدبلوماسية خلال العامَين 2025 و2026، فقد واصلت الدولة اللبنانية ضغوطها عبر مجلس الأمن الدولي، وكان آخر تحركاتها تقديم شكوى عاجلة في 8 نيسان 2026، عقب غارات وصفتها الحكومة بأنّها «الأعنف»، واستهدفت مدنيين وإعلاميين في بيروت ومناطق أخرى. كما كلّف مجلس الوزراء اللبناني، في نيسان 2026، وزارتي الإعلام والخارجية بإرسال ملفات موثّقة بالأدلة والصور إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان، تمهيدًا لبحث مسارات قانونية إضافية.
وقد أثارت هذه التطورات ردود فعل دولية واسعة، إذ أكّد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن استهداف الطواقم الإعلامية وعرقلة عمل فرق الإنقاذ يشكّلان انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
من شاهدٍ إلى شهيد
في الحروب، يُفترض أن يكون الصحافي شاهدًا على المأساة، لكنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان أظهرت أنّ الشاهد نفسه قد يتحوّل إلى ضحية. وبين الكاميرا والخوذة والسترة التي تحمل عبارة «PRESS»، سقط صحافيون فقط لأنّهم كانوا يحاولون نقل ما يجري إلى العالم.
ومع استمرار النزاعات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زال القانون الدولي قادرًا على حماية الكلمة الحرة، أم أنّ الصحافي أصبح جزءًا من الأهداف في الحروب الحديثة؟











