مشاريع ومبادرات

لبنان على طريق الهند – أوروبا؟!
إعداد: د. ألكسندر أبي يونس
باحث وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

في 9 أيلول 2023 أطلقت قمة مجموعة العشرين* في نيودلهي مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا المعروف باللغة الإنكليزية بالـــ IMEC أي India–Middle East–Europe Economic Corridor. وقد وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّه ”أحد أعظم الطرق التجارية في التاريخ“ لأنّه يُعدّ تحوّلًا جيو – سياسيًا وجيو -اقتصاديًا.
للوهلة الأولى، ظنّ البعض أنّ هذا المشروع هو ردّ أميركي – غربي على مبادرة الحزام والطريق الصينية، لكن في الواقع، معظم الدول التي وقّعت** مذكّرة التفاهم الخاصة به، لديها علاقات تجارية مع الصين التي هي عضو في مجموعة العشرين.

بينما يركّز المخطط على ربط الهند بالإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن «وإسرائيل» وصولًا إلى أوروبا على امتداد 6400 كلم وبتكلفة مقدّرة بـ 500 مليار يورو، يَبرز تساؤل جوهري حول موقع لبنان من هذا الطريق الاستراتيجي، ذلك أنّ مسار ربط الهند بأوروبا يعتمد على طرق برية وبحرية عبر شبكة متكاملة من السكك الحديدية والمرافئ التي ستمر عبر الإمارات والسعودية، ثم برًّا إلى الأردن ومنها إلى ميناء حيفا، ومن ثم بحرًا إلى أوروبا. وهو منظومة متكاملة تشمل كابلات البيانات لربط الاتصالات الرقمية بين القارات، وأنابيب الهيدروجين النظيف لدعم تحوّل الطاقة في أوروبا التي توفّر مصدر طاقة بديلًا عن الغاز الطبيعي والهيدروكربونات الأخرى من روسيا، وتخفّض وقت الشحن بنسبة 40٪ والتكاليف بنسبة 30٪ مقارنةً بقناة السويس. غير أنّ ذلك يستدعي التغلّب على عقبات تقنية ومالية، ويتطلّب بناء البنى التحتية الضرورية في كل دولة مشاركة في هذا المشروع.
وعلى الرغم من أنّ الخرائط الأولية للممر تمر عبر ميناء حيفا، إلّا أنّ هناك اعتبارات تجعل من لبنان نقطة جذب تقنية واقتصادية إذا ما توافرت الظروف الملائمة.
في هذا الإطار، زار المبعوث الفرنسي الخاص للمشروع، Gérard Mestrallet، لبنان في 25 شباط 2026، وصرّح بأنّ «فرنسا مُقتنعة بأنّ دور لبنان مهمّ في هذا الممر، وبأنّه جسر عبور بين الشرق والغرب، وهو يمتلك مقوّمات قوية كمرفأ بيروت ومرفأ طرابلس اللذين يمكن توسيعهما، ما يجعله مرشّحًا طبيعيًا للانضمام إلى المشروع، ليعيد توطين نفسه اقتصاديًا ضمن شبكات التجارة العالمية». يبدو الدفع الدبلوماسي الفرنسي واضح الازدواجية، فهو مزيج من طموح فرنسا الاستراتيجي الذي التقى مع إعادة تموضع بيروت في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي. وقد عبّرت الدولة اللبنانية عن استعدادها للانخراط في هذه المبادرة، غير أنّ الواقعية الاقتصادية تفرض مقاربة منطقية حول قدرة لبنان للانتقال من محطّة هامشية إلى لاعب مؤثّر، في ظل منافسة إقليمية حادّة على استقطاب مسارات التجارة العالمية.
بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الفرنسي لبنان، زار رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي «إسرائيل» ووقّع مع رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو على أضخم حزمة اتفاقيات هندية – إسرائيلية بقيمة 8 مليارات دولار، ركّزت على الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري. بعد يومين من هذه الزيارة، اندلعت الحرب في المنطقة (28 شباط 2026)، وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع سعر برميل النفط، وازدادت أهمية خطوط الاتصال بالنسبة إلى جميع دول الخليج، سواء كانت سككًا حديدية أو خطوطًا بحرية أخرى. فهذه الخطوط تُعدّ ضرورية لتحقيق تنوّع المسارات، بخاصةٍ في ما يتعلّق بتصدير منتجات الطاقة المختلفة، وتطوير صناعة التعدين، وضمان الإمدادات الغذائية. في ظل هذا الواقع، يكتسب مشروع ممر الهند – الشرق الأوسط الذي سيضمن أمن الطاقة، بخاصةٍ في أوروبا مزيدًا من الأهمية، وهو سيعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
 

مسار المشروع يصنّف الدول بين مستفيدة ومتضرّرة
نصّت مذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها في نيودلهي سنة 2023 على تطوير ممرَين يشكّلان رابطًا مدعومًا بمجموعةٍ من البنى التحتية، سواء
تلك المشيّدة مُسبقًا أو التي ستُشيّد حديثًا. يربط الممر الشرقي الهند بالخليج العربي، بينما يربط الممر الشمالي الخليج العربي بأوروبا. ويبرز نظام السكك الحديدية التقليدي لتسهيل حركة السلع والخدمات بين الهند والإمارات العربية المتحدة والسعودية والأردن، فميناء حيفا، فأوروبا، وتحديدًا ميناء بيرايوس في اليونان. تتولّى تشغيل هذا الميناء جزئيًا عبر البحر المتوسط شركة «كوسكو» الصينية، من خلال شبكة عبور تتألّف من السفن والسكك الحديدية. ويشمل المشروع تركيب كابلات الطاقة والاتصال الرقمي على طول خط السكك الحديدية، بالإضافة إلى إنشاء قناة لتصدير الهيدروجين النظيف من الخليج إلى أوروبا.
يطرح هذا المسار الذي يتجاوز قناة السويس تساؤلات حول التداعيات على الاقتصاد المصري، إذ تشكّل القناة شريانًا تجاريًا عالميًا أساسيًا، وتدرّ لمصر عائدات هائلة وصلت في العام 2023 إلى 9,4 مليار دولار. لذا، فإنّ مشروع IMEC يضر بمصر لأنه ينافس قناة السويس.
بدورها، أعربت تركيا عن معارضتها الشديدة لهذا الممر، وصرّح رئيسها رجب طيب أردوغان «إنّه لن يكون هناك ممرّ من دون تركيا»، مشدّدًا على أنّ أي ممرّ اقتصادي حيوي في المنطقة يجب أن يتضمّن مشاركة بلاده، ما يطرح تعقيدات تعرقل نجاح المشروع. وخير دليل على ذلك الإعلان عن مشروع طريق التنمية الذي يهدف إلى ربط الخليج العربي بأوروبا عبر العراق وتركيا من خلال شبكة نقل بري وسكك حديدية لنقل البضائع بين المنطقتين. وبالفعل، وقّعت كل من تركيا والعراق وقطر والإمارات في بغداد على اتفاقية هذا الطريق في 22 نيسان 2024.
بالنسبة إلى الأردن، ليس هناك أدلة كثيرة على وجود فرص تجارية واستثمارية يتيحها له مشروع طريق الهند – أوروبا. وفي ما يخصّ دول مجلس التعاون الخليجي، فثمة دول مثل عُمان، هي خارج المشروع برمّته، فضلًا عن أنّه لن يتم استخدام السكك الحديدية لدول المجلس التي تمّ إنشاؤها سنة 2022 بشكلٍ كامل في هذا الممر.
يرى البعض أنّ ممر IMEC يمكن أن يشكّل بديلًا نسبيًا عن مضيق باب المندب ومضيق هرمز اللذين يُعتبران منطقتَي توتر جيوسياسي، لكنّ مسار هذا الطريق يتطلّب المرور الجزئي عبر مضيق هرمز، ومن المحتمل أن يكون مشروع IMEC غير قابل للتنفيذ، نظرًا لغياب بديلٍ واضح، بخاصةٍ وأنّ دولًا مشاركة في هذا المشروع منخرطة في استثمارات ومشاريع مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية التي تقدّم حزمةً شاملة، من تطوير البنى التحتية والتمويل والفرص التجارية التي تجذب بلدانًا متعدّدة في المنطقة. إلى ذلك، تزيد هيمنة الصين بصفتها أكبر مستهلك لصادرات الهيدروكربونات الخليجية الأمور تعقيدًا. وفي ظلّ غياب بديلٍ مضمون وفوري، فإنّ التكاليف المحتملة لتعريض هذه العلاقات مع الصين للخطر تفوق المكاسب غير المؤكّدة المرتبطة بتأييد مشروع الممرّ، بخاصةٍ وأنّ دول الخليج تميل إلى تنويع شراكاتها وانتهاج سياسة خارجية مستقلّة عن واشنطن، والتواصل مع كوريا الجنوبية واليابان وإندونيسيا، بدلًا من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
 

أين موقع لبنان في المشروع؟
هناك رأي يميّز بين الشركاء المؤسّسين للمشروع بصفتهم الوطنية، والشركاء غير الأساسيين الذين يتخذون صفة شريك جغرافي في مسار الربط البري، ما يتيح لهم الاستفادة من رسوم العبور، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز موقعهم كمحاور لوجستية إقليمية. أما على المستوى التنفيذي، فتبرز شركات تشغيل المرافئ، ومشغّلو السكك الحديدية، وشركات الشحن العالمية، إضافة إلى مطوّري مشاريع الطاقة النظيفة والربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر. وثمة مستفيدون غير مباشرين، مثل قطاعات التمويل والتأمين والخدمات اللوجستية، ودول في شرق المتوسط قد تسعى للانضمام إلى مقدّمي الخدمات، بما يتيح لها إعادة التموضع ضمن الخريطة الجيو – اقتصادية الجديدة، وهنا يُذكر اسم لبنان بقوة.
تحاول فرنسا تغيير مسار الممر لإدخال لبنان في المشروع ليصبح كالآتي: يبدأ بالهند، يمر بالإمارات، السعودية، «إسرائيل»، الأردن، فلبنان، ومنه إلى أوروبا في ظل احتمال انضمام كل من: مصر، عمان، سوريا، وقبرص. وقد وعدت فرنسا لبنان بأن يتم تعديل الخط بشكلٍ يجعله لا يمر من «إسرائيل» مباشرةً باتجاه لبنان.
لقد أثبت استهداف ناقلات الطاقة خلال الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» من جهة وإيران من جهة أخرى، أنّ الطرق البحرية التقليدية غير آمنة، مما يحوّل الممر الهندي – الأوروبي من مجرّد خيار مستقبلي مطروح إلى ضرورة عاجلة يفرضها الأمر الواقع للبقاء الاقتصادي. لكنّ الخوف هو أن تصبح «إسرائيل» قلب المنطقة النابض اقتصاديًا وتقنيًا، بينما يظل لبنان غارقًا في دخان الصراعات والحروب.


خلفيات المشروع
من خلفيات المشروع منافسة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لطريق الحرير الصيني، لكنّ الطرفَين يفتقدان القدرة على تمويل هذا الممر بالطريقة التي اعتمدتها الصين. فالأخيرة اعتمدت على قطاع البنوك المحليّة لتوسيع بنيتها التحتية وقدرتها على الاتصال بالأسواق الناشئة الجديدة، بينما يُعدّ الممر الهندي جزءًا من تعاون أوسع يشمل حكومات مجموعة السبع والمؤسسات المالية الدولية، ما يجعل الأمر معقدًا. فالظروف السياسية والاقتصادية الفريدة لكل بلد سوف تفرض تحدّيات واختيارات متميزة. مع ذلك، يخدم الممر أمن الطاقة للدول الأوروبية ويسمح للولايات المتحدة بدعم التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال ربط شركائها الاستراتيجيين بالسكك الحديدية على الأقل، إلّا أنّه يبقى تصوّرًا سياسيًّا غربيًّا لتحقيق التوازن إذا ما نشب صراع مستقبلي مع الصين.
من خلفيات المشروع أيضًا، تعزيز الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية بين الهند والولايات المتحدة و«إسرائيل» والإمارات العربية المتحدة التي وقّعت سنة 2022 بموجب اتفاق «I2U2». لذلك، يجب عدم النظر إلى ممر IMEC كمبادرة جديدة، بل أنّ الفكرة كانت تتطوّر وتتماشى مع التطور التكنولوجي، وتُبنى على اتفاقات أبراهام للعام 2020 التي تربط المصالح الاستثمارية والتعاون التكنولوجي بين الإمارات و«إسرائيل» مع الهند كموقعٍ للإنتاج والاستثمار المشترك.
بالنسبة إلى الهند، يمكن أن يخدم المشروع غرضًا مزدوجًا. ففي العام 2022، توصّلت الهند والإمارات إلى اتفاقية CEPA للشراكة الاقتصادية الشاملة والتي تهدف إلى توفير إمدادات طاقة آمنة بأسعار معقولة للاقتصاد الهندي. ومن المتوقّع أن تصل قيمة التجارة بينهما في العام 2027 إلى 100 مليار دولار. وبالنسبة إلى الموانئ السعودية الجديدة، سيظلّ البحر الأحمر ممرًّا حيويًّا وموقعًا لتطويرها. وإذا كانت السكك الحديدية من السعودية إلى ميناء حيفا عبر الأردن تتضمّن منشأة للهيدروجين، فقد يشكّل ذلك بعض التحدّيات، لأنّ المنشأة تقع في نيوم بالقرب من ساحل البحر الأحمر، وليس على طول الطريق الداخلي. ومع التوسّع السريع لاستثمارات دول الخليج في مشاريع الغاز في شرق البحر المتوسط، بخاصةٍ تلك التي تقوم بها شركة قطر للطاقة وأرامكو وأدنوك لتعزيز إنتاج الغاز الطبيعي في الداخل، فإنّ تصدير الغاز المُسال سيكون عاملًا محفّزًا لدفع تطوير اتصالات الموانئ في المستقبل المنظور. مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن ممر IMEC ولو أنه يعالج أمن الطاقة في أوروبا لكنه لا يُغني عن الحل الكامل للتكامل الاقتصادي.

عقبات كبيرة
يواجه مشروع IMEC عقبات كبيرة أبرزها قلّة الثقة ما بين السعودية وإيران بخاصةٍ بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران ولجوء هذه الأخيرة إلى استهداف المصالح الأميركية في السعودية. كما أنّ العلاقات العدائية بين «إسرائيل» وإيران، والإبادة الجماعية المستمرّة في غزة، والحرب على لبنان، والأوضاع في سوريا واليمن تشكّل تحدّيًا كبيرًا لأمن السعودية وللممرّ الاقتصادي، ما يخلق وضعًا متقلّبًا على طول الحدود من شأنه أن يُعطّل بنى الممرّ التحتية لا سيّما خط السكك الحديدية المُقرَّر عبر السعودية والأردن. وقد تدفع الصراعات في غزة ولبنان واليمن وسوريا المستثمرين إلى التردّد في التزام الممرّ الاقتصادي، نظرًا للمخاطر المرتبطة بالعمل في بيئات متقلّبة. في نهاية المطاف، يُهدّد غياب السلام المستدام وجود الممرّ بحدّ ذاته، ما قد يؤدّي إلى زعزعة المشروع برمّـته قبل أن يتحوّل إلى واقع ملموس على الأرض.
من جهة أخرى، يهدف الحراك الإسرائيلي على خط الممر إلى تشجيع تطبيع العلاقات مع الدول العربية، لكنّ هذا الهدف يواجه تحدّيات كبيرة. بالمقابل، فرضت حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي في «إسرائيل»، التي فاقمتها حروب غزة ولبنان وإيران، ضغوطًا هائلة على موارد البلاد المالية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على التزام مشروعٍ طموح مثل هذا الممرّ الاقتصادي. لقد فرض الصراع تبدّلًا في الأولويات، فحوّل موارد ضخمة إلى الإنفاق العسكري وحمّل سكان المناطق الحدودية تكاليف النزوح المستمرّ. وأقرّ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأنّ «الاقتصاد الإسرائيلي يتحمّل عبء الحرب الأطول وأكثرها تكلفة في تاريخ إسرائيل». وقد أصبحت التداعيات الاقتصادية ملموسة مع خفض تصنيف «إسرائيل» الائتماني مرتين. كما أنّ جدوى الممرّ اللوجستية باتت تثير تساؤلات، لا سيّما في ظلّ التحدّيات التي تواجه البنى التحتية الرئيسة مثل ميناء حيفا الذي يواجه مشاكل أمنية تُهدّد بعرقلة العمليات وزيادة التكاليف وتقويض ثقة المستثمرين.
ومن العقبات التي لا يزال يواجهها مشروع IMEC، استبعاد قطر ومصر وتركيا وإيران، الأمر الذي يثير تساؤلات حول شموليّة الممرّ وجدواه على المدى الطويل. كما أن الأردن يحاول أن يكون من اللاعبين الرئيسيين في المشروع وليس فقط نقطة عبور للممر.


لبنان في ميزان ممر IMEC
رغم أن الخرائط الأولية للممر تستثني لبنان من المشروع وتركّز على ميناء حيفا، إلّا أنّ هناك اعتبارات تجعل من لبنان نقطة جذب تقنيّة واقتصادية إذا ما توافرت الظروف الملائمة، أبرزها:
مرفآ بيروت وطرابلس كمنفذَين رديفَين: يتمتّع مرفأ بيروت بموقع جغرافي فريد، فيما يمتاز مرفأ طرابلس بعمقه وقدرته الاستيعابية وقربه من الحدود السورية، ويمتلك المقوّمات ليصبح مركزًا لوجستيًا يربط الممر الاقتصادي بالداخل السوري وعمق آسيا الوسطى.
الربط الرقمي والطاقوي: بما أنّ المشروع يشمل كابلات ألياف بصرية ونقل طاقة، يمكن للبنان أن يتحوّل إلى منصة بيانات إقليمية. البنية التحتية البحرية الحالية للبنان غير جيدة لذا يمكن ربطها بمبادرات الممر لتعزيز سرعة الإنترنت وتقليل تكاليف الطاقة.
التكامل مع شبكة السكك الحديدية العربية: تاريخيًا، كان لبنان جزءًا من «خط حديد حيدر باشا» لسنة 1908 الذي يربط أوروبا بالخليج. إحياء هذا الدور ضمن رؤية الممر الاقتصادي يعيد للبنان ثقله كجسرٍ تجاري بين الشرق والغرب. كما أنّ بيروت كانت جزءًا من المشروع الألماني BBB (برلين – بيروت – بغداد). وقد اشتهر لبنان بمحطتَي رياق وطرابلس اللتين وصلتا لبنان بالعالم العربي وأوروبا (خط بيروت – دمشق دُشّن سنة 1895، ومحطة طرابلس دُشّنت سنة 1911).
بالمقابل، لا يخلو مسار لبنان نحو هذا المشروع من تعقيدات وتحدّيات جيوسياسية شائكة، منها المنافسة الإقليمية بين موانئ المنطقة (حيفا، دبي، وجدّة) الأمر الذي يفرض على لبنان تقديم ميزات تفضيلية وسرعة في التحديث، بخاصةٍ وأن بُنيته التحتية متهالكة، ويعاني نقصًا حادًا في الطاقة الكهربائية، وضعفًا في شبكات النقل البري، وغياب السكك الحديدية، كل ذلك يعيق القدرة على استيعاب تدفقات تجارية ضخمة. وتبقى النقطة الأهم وهي أن لبنان يتطلّب استقرارًا سياسيًا للانخراط في ممرات دولية، وتأمين استقرار تشريعي وأمني طويل الأمد لطمأنة المستثمرين الدّوليين.


التقاء المصالح بين فرنسا ولبنان في ممر IMEC
تسعى فرنسا إلى إدخال لبنان في مشروع IMEC لأسبابٍ استراتيجية، اقتصادية، وجيوسياسية، تهدف إلى إعادة تموضع لبنان في خريطة التجارة العالمية وتعزيز النفوذ الفرنسي في شرق المتوسط. ويمكن تلخيص الأسباب الرئيسية في النقاط الآتية:
تعزيز الدور الاستراتيجي للبنان (جسر عبور): ترى فرنسا في لبنان جسرًا طبيعيًا وتاريخيًا بين الشرق والغرب، وتريد إعادة تفعيل هذا الدور عبر مرفأي بيروت وطرابلس كحلقة وصل أساسية في نقل البضائع والطاقة والألياف البصرية، من الخليج إلى أوروبا عبر المتوسط.
فوائد اقتصادية ضخمة: يهدف الدفع الفرنسي إلى إنعاش الاقتصاد اللبناني المنهار، فيتحوّل لبنان من دولة منكوبة اقتصاديًا إلى نقطة ارتكاز إقليمية مما يحقق له مكاسب اقتصادية، ويعيد تعزيز النفوذ الفرنسي التقليدي في المنطقة.
تعديل مسار الممر لخدمة الشراكة الفرنسية – المتوسطية: في حين أنّ التصوّر الأوّلي للمشروع يمر عبر حيفا فقط، تسعى فرنسا إلى دمج لبنان وتحويله إلى عقدة وصل ضمن شبكة فرنسية – متوسطية، ما يمنح باريس ورقة استراتيجية قوية في المنطقة.
إعادة إعمار البنية التحتية والاستثمار: تسعى فرنسا من خلال شركاتها مثل CMA CGM، إلى تطوير مرفأي بيروت وطرابلس وإدراجهما ضمن استثمارات ضخمة مرتبطة بالممر، بخاصةٍ وأنّ لبنان يفتقد إلى شبكة سكك حديد حديثة تربط المرافئ اللبنانية بالداخل العربي، فضلًا عن ضعف الاستثمار في الأنظمة الرقمية وإدارة سلاسل الإمداد، ما يفرض حاجة ملحّة إلى استثمارات هائلة لتحديث البنية التحتية وفق المعايير العالمية. قبل انفجار 4 آب 2020، كان مرفأ بيروت من أهم المرافئ في المنطقة، وكان قادرًا على استيعاب أكثر من مليون حاوية سنويًا، كما كان يشكّل حلقة مركزية في التجارة اللبنانية والإقليمية. لكن الانفجار أدّى إلى أضرار هائلة فاقت 15 مليار دولار في البنى التحتية وأضعف كفاءته اللوجستية، ما دفع العديد من خطوط الشحن إلى تحويل مسارها صوب مرافئ بديلة في المنطقة، منها ميناء حيفا. وقد كانت فرنسا الأولى في المبادرة إلى المشاركة في خطط إعادة إعمار المرفأ وتطويره بشكلٍ عصري من خلال شركاتها.
مشروع سلام واستقرار جيو – سياسي: تَعتبر فرنسا الممر «مشروع سل» يربط الدول اقتصاديًا ببعضها، مما يساعد في تثبيت الاستقرار، ودعم المؤسسات اللبنانية، وإعادة دمج لبنان في محيطه العربي والخليجي.
أدركت فرنسا حساسية حصر المشروع بمرفأ حيفا، لذلك تدفع باتجاه توسيع الشراكات مع القطاع الخاص بهدف تسريع بناء البنى التحتية القادرة على منح مرفأي لبنان القدرة على المنافسة. بالإضافة إلى ذلك، شجّعت باريس على إنشاء ممرّات بحرية وبرية تشمل لبنان وسوريا والعراق، وبالفعل بدأت سوريا العمل على تحقيق مشروع نقل نفط العراق عبر أنابيب تمر عبر أراضيها إلى البحر المتوسط. ويجري العمل على تفعيل ربط مرافئ بيروت وطرابلس وطرطوس واللاذقية، عبر البحر وبشبكات نقل برية وجوية تمتد داخل سوريا وصولًا إلى العراق. وتقوم المرحلة الأولى على توسيع القدرة التشغيلية لهذه المرافئ وتعزيز طاقتها الاستيعابية، بالتوازي مع إنشاء منصّات حاويات داخل العمق البري في سوريا ولبنان (البقاع مثلًا)، على أن تُعامل كمناطق حرة، مع حصر النقل في المرحلة الأولى بالشاحنات. وتتضمن المراحل اللاحقة إنشاء شبكة سكك حديد تربط بين المرافئ المذكورة، واستخدام مطارات ثانوية كمراكز للنقل والشحن الجوي، مثل مطار حامات.
ويقع الحراك الفرنسي ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت النفوذ الفرنسي في شرق المتوسط، إذ يبرز دور شركة CMA CGM التي عزّزت حضورها في لبنان منذ العام 2020، وتولّت إدارة محطات الحاويات في بيروت وطرابلس، واشترت أسهم كبرى الشركات اللبنانية مثل «مجموعة فتّال» و«مجموعة الرفاعي» و«شركة سوشيه»، ومستودعات في البقاع، وحصة من شركة Merit Invest وليبان بوست. يؤسّس هذا الحضور لشبكة لوجستية فرنسية متكاملة من الشحن إلى التوزيع النهائي، قد تشكّل مسارًا بديلًا أو مكمّلًا للممر الهندي – الأوروبي يربط الموانئ اللبنانية مباشرة بمرسيليا، ويكمل منها إلى العمق الأوروبي. بذلك يتحوّل لبنان إلى عقدة وصل ضمن شبكة فرنسية – متوسطية، بما يعزّز مرونة الممر ويمنح باريس ورقة استراتيجية إضافية. لكن، هناك فريقٌ آخر يقول إنّ فرنسا غير قادرة على إعادة لبنان إلى الواجهة في هذا الزمن الأميركي، لا سيّما بعد إنفجار مرفأ بيروت.
يعاني لبنان أزمات سياسية كبيرة يبدو معها اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأمد صعبًا. لذا، فإنّ أي إعادة بناء للبنى التحتية، بخاصةٍ السكك الحديدية، تتطلّب إصلاحات هيكلية وحوكمة لم تتحقق بعد. من دون ذلك، سيبقى لبنان مرشّحًا لأن يكون محطة عبور هامشية، بدلًا من أن يتحوّل إلى نقطة محورية في شبكة التجارة العالمية الجديدة، بخاصةٍ وأنّ مرفأ حيفا قوة لوجستية منافسة. لذلك، جرى تنسيق الرؤية بين فرنسا والسعودية كأحد عوامل الدفع الرئيسية التي يمكن أن تُسهّل مشاركة لبنان في المشروع، لكي يصبح جزءًا من التحالف الاقتصادي الجيو – استراتيجي الأوسع من خلال تطوير دوره اللوجستي، ما يخلق ضغطًا غير مباشر على المنافسين مثل «إسرائيل». لكن واقعيًا، هناك شروط يجب تحقيقها كي يتحوّل هذا الاحتمال إلى حقيقة ممكنة ومقنعة لبقية شركاء فرنسا المؤسّسين في الممر، وعلى رأسها التوافق الوطني داخل لبنان حول مشاركة البلاد في الممر، بالإضافة إلى تنسيق حكومي مع الدول الداعمة مثل فرنسا والسعودية لضمان الدعم الفني والمالي والتقني.
استعرض الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون تفاصيل مشروع IMEC وأهدافه مع المبعوث الفرنسي Mestrallet، وصدر بيان عن القصر الجمهوري أكّد «استعداد لبنان للانخراط ضمن إطار المبادرة، بما يخدم مصالحه الوطنية ويعزّز موقعه اللوجستي في المنطقة». وبالفعل، أبلغ الرئيس عون نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون اهتمام لبنان بالانضمام إلى هذا الممر لكن بصفة شريك لا مقدّم خدمات.

الجدوى الاقتصادية المتوقّعة للبنان
إذا استطاع لبنان الانخراط في مشروع IMEC، فإنّه سيتمكن من استقطاب استثمارات هندية وأوروبية لتطوير الموانئ والمناطق الحرة وخلق فرص عمل في قطاعات اللوجستيات والتكنولوجيا وصناعات إعادة التصدير. وستنخفض كلفة الاستيراد بفضل تنوّع مصادر السلع الأساسية القادمة من الهند وجنوب شرق آسيا بأسعار تنافسية. ومن المتوقع أن يوفّر المشروع من 4000 إلى 5000 وظيفة، ويؤمّن ربحًا وإيرادات ضريبية تراوح بين 3,5 و4,5 مليار دولار سنويًا، علمًا أن تكلفة المشروع في لبنان تراوح بين 170 و190 مليار يورو ويُـتوّقع إنجازه خلال 8 إلى 10 أعوام. كما سيفتح المشروع آفاقًا أمام قطاع التعليم والتدريب، المتخصص في اللوجستيات والنقل البحري، ويدفع الجامعات اللبنانية إلى توسيع برامجها البحثية والتطبيقية في مجالات الاقتصاد البحري والنقل متعدّد الوسائط.
وقد بحث رئيس الحكومة القاضي نواف سلام الجدوى الاقتصادية لدمج مرفأي بيروت وطرابلس ضمن هذا الممرّ مع Mestrallet مشيرًا إلى إطلاق دراسة استراتيجية شاملة حول تكامل قطاعات النقل والطاقة والتجارة مع دول الجوار، ومؤكّدًا أنّ «انخراط لبنان في الممرّات التجارية الإقليمية سيكون فرصة استراتيجية وضرورة ملحّة». لكن في حال لم يتغيّر مسار المشروع، فإن دور مرفأي بيروت وطرابلس سيكون هامشيًا ربما كموانئ احتياطية.
لتحويل «لبنان على طريق الهند» من مشروع افتراضي إلى واقعي، يجب العمل على تطوير جميع بُـناه التحتيّة، واعتماد الدبلوماسية الاقتصادية عبر تفعيل التواصل مع الهند وأوروبا لبحث إدراج المرافئ اللبنانية كخيار مرونة للممر في حالات الطوارئ، والاستثمار في الطاقة المتجدّدة لتلبية متطلّبات الممر الذي يركّز على الاقتصاد الأخضر. إنّ مشروع IMEC هو إعادة صياغة لخارطة القوة العالمية. ولبنان، بفضل موقعه وتاريخه التجاري، يمتلك «رأسمالًا جغرافيًا» لا يمكن تجاهله، لكن استثمار هذا الموقع يتطلّب رؤية وطنية تتجاوز الأزمات الآنية نحو الاندماج في شبكات المصالح الدولية الجديدة.

* تتكوّن مجموعة العشرين (20G) من 19 دولة وتشمل: الأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كندا، الصين، فرنسا، ألمانيا، الهند، إندونيسيا، إيطاليا، اليابان، كوريا الجنوبية، المكسيك، روسيا، السعودية، جنوب أفريقيا، تركيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.
** وقّعت الاتفاقية كل من: الهند، الولايات المتحدة الأميركية، الإمارات العربية المتحدة، السعودية، الاتحاد الأوروبي، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، وبطريقة غير مباشرة «إسرائيل» عبر التوافق السياسي (والتي ستستفيد جدًّا من المشروع).