الاقتصاد والحرب

ماذا لو طال أمد الحرب؟
إعداد: د. تراز منصور

منذ الثاني من آذار الفائت، والعدوان الإسرائيلي على لبنان لم يتوقف. آلاف من الشهداء والجرحى يروون بدمائهم أرض الوطن، إضافة إلى تراكم الخسائر بمليارات الدولارات، والتي تُنبئ بكارثةٍ اقتصادية ينتظرها لبنان، إذا طال أمد الحرب. فالتدمير يطال آلاف الوحدات السكنية والمصانع والمحلات التجارية والبنى التحتية، فضلًا عن تلف آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، كل ذلك تسبّب بخسائر فادحة على جميع المستويات.وإذا كان من الصعب تقدير حجم الضرر الذي يلحق بالاقتصاد اللبناني من جراء هذه الحرب نظرًا لاستمرارها، فثمة أسئلة يطرحها اللبنانيون بإلحاحٍ تتمحور حول التأثيرات المرتقبة على سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وحول التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار النفط.


انهيار سعر الصرف إذا…
في حديث لمجلة «الجيش» يضيء الخبير الاقتصادي أنطوان فرح على الواقع الاقتصادي الحالي والخطر الذي يداهم سعر صرف الليرة اللبنانية، مؤكدًا أنّ ثباته لا يعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي.
يرى فرح أنّ «تثبيت سعر صرف الليرة منذ نحو ثلاث سنوات، يتمّ من خلال التنسيق بين السلطتين النقدية والمالية، أي مصرف لبنان ووزارة المالية، ما أفضى إلى تصغير حجم الكتلة النقدية بالليرة، والتي لا تزيد اليوم عن سبعين تريليون ليرة. تتولى وزارة المالية جمع جزءٍ كبيرٍ من هذه الكتلة، من خلال جباية الضرائب من السوق، وتعيدها إلى مصرف لبنان الذي يستخدمها بدوره لشراء الدولارات من السوق وتحويل جزء منها إلى الدولة لدفع الرواتب والأجور وبعض المصاريف الأخرى. تشبه هذه العملية ما يسمى بـ «مجلس النقد» Currency Board، الذي يحافظ على كتلة نقدية محدودة، لحماية العملة الوطنية». وهو يؤكد أنّ هذه الاستراتيجية أسهمت في بناء ما يشبه جدارًا بين الاقتصاد والسياسة النقدية، ممّا يعني أنّ الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية لم تعد تنعكس بشكلٍ مباشر على السياسة النقدية. لكنّه يشير في المقابل إلى أنّ الصعوبات التي تواجه الليرة اليوم، تتعلّق بالخلل الذي واجه وزارة المالية لناحية جباية الضرائب نتيجة الحرب الدائرة. وبالتالي، لا يمكن للوزارة إعادة جزء من الأموال الموجودة في الأسواق إلى مصرف لبنان.
أما الجزء الآخر من العملية الذي أُصيب بخللٍ، فيتعلّق بالصعوبة التي يواجهها مصرف لبنان في شراء الدولارات من السوق بسبب الشحّ بالليرة اللبنانية. ومع أنّ الاحتياطي لديه تناقص في شهر شباط، نجح المصرف المركزي في الحفاظ على المستويات نفسها من الموجودات في آذار ونيسان، بما يعني أنّ السوق ما زال قادرًا على تأمين الدولارات، من دون أن يضطر مصرف لبنان إلى تكبير حجم الكتلة بالليرة، وهذا بيت القصيد. إذ إنّ عدم تكبير الكتلة النقدية بالليرة حتى الآن، يعني أنّها في مأمن من الانهيار.
ويوضح فرح أنّ الاحتياطي الإلزامي يعود إلى المصارف والمودعين والذي تبلغ قيمته نحو 8,5 مليار دولار، في حين أنّ الاحتياطي العام لمصرف لبنان هو في حدود 11,5 مليار دولار، وطالما أنّه لا يتناقص رغم النفقات الشهرية، والتي تبلغ نحو 500 مليون دولار، فهذا مؤشر على استمرار استقرار سعر الصرف. وفي الواقع، فإنّ بعض الأخبار والشائعات التي تتحدث عن قرب انهيار سعر الصرف، هي حملات تقف وراءها جهات تهدف إلى إحداث خلل، وتأمل أن تؤدّي هذه الشائعات التي تروّج لها إلى انهيار مالي يمكن أن تستغله. وهذا السلوك هو من أخطر الأمور التي ينبغي التنبّه لها اليوم.
يشير فرح إلى إعلان حاكم مصرف لبنان حول عدم المسّ بالاحتياط الإلزامي، وبأنّه سيتوقف عن الإنفاق باستثناء مواصلة دفع الودائع المرتبطة بالتعميمَين 158 و166 اللذَين تبلغ كلفتهما حوالى 230 مليون دولار شهريًا. كما يلفت إلى أنّ الخطورة الحقيقية على الليرة قد تبدأ في حال استمرت الحرب لأكثر من خمسة أشهر إضافية، أي لما بعد فصل الصيف، لأنّ الدولة قد تضطر إلى الإنفاق بالليرة وتكبير حجم الكتلة في السوق.


التضخم وأسعار النفط
يرى فرح أنّ مشكلة التضخم ناتجة عن الحرب الدائرة في المنطقة، وهي مرتبطة بارتفاع أسعار النفط وأسعار الشحن البحري والتأمين البحري والمخاطر. فقد أدّت هذه العوامل مجتمعةً إلى التضخم في جميع اقتصادات العالم، ولكنّ تأثير التضخم جاء مضاعفًا على اقتصادات الدول الهشّة، التي تعتمد على الاستيراد، كالاقتصاد اللبناني. وإذ لفت إلى مشكلة فوضى الأسعار في لبنان وعدم القدرة على المراقبة، أكّد أنّ هذا التضخم حدّ من القدرة الشرائية للكثير من اللبنانيين، والتي كانت في الأساس متدنّية، ما جعل الوضع صعبًا جدًا. وما سيزيد من صعوبته تراجع مداخيل المواطن اللبناني من جراء حسومات على الرواتب التي قد تلجأ إليها الشركات، إذا تفاقمت الأزمة.
واقع المؤسسات الخاصة دقيق جدًا وفق فرح، ولا سيّما أنّها لا تملك الاحتياطي، وهي تعاني منذ العام 2024 أزمات متراكمة في ظلّ غياب القطاع المصرفي، الذي يمنح القروض لهذه المؤسسات كي تبقى وتستمر. يُضاف إلى ذلك الانكماش الذي انعكس على كل القطاعات تقريبًا، باستثناء تجارة الأغذية.
يتوقع فرح ارتفاع وتيرة الصعوبة، كلّما طال أمد الحرب التي سوف تخلّف أضرارًا تراكمية، ينتج عنها خفض بالرواتب، وصرف موظفين أو إقفال مؤسسات بشكل نهائي. وفي السياق، يوضح أنّ تحدّيات مؤسـسات القطاع العام لا تكمن فقط في تدني الرواتب والأجور، بل في مشكلة ارتفاع أسعار المحروقات والتضخّم، ما يجعل الموظفين عاجزين عن الذهاب إلى عملهم، ويؤدي إلى شلل مؤسسات هذا القطاع، إذا طال أمد الحرب لخمسة أو ستة أشهر.


خسائر بملايين الدولارات يوميًا
في ما يتعلّق بالبطالة، فإنّ نسبتها لا يمكن حصرها بأرقامٍ دقيقة في لبنان من وجهة نظر فرح، في حين يرى البعض أنّ هذه النسبة قد تقارب 40%، ومن الطبيعي أن تكون مرتفعة نتيجة الركود الاقتصادي؛ ثم لفت إلى أنّ الدول تعتمد على مؤشر البطالة الذي يُعدّ المؤشر الأساسي في الاقتصاد.
وعن حجم الخسائر، يوضح فرح أنّه لا توجد تقديرات عملية وعلمية عن خسائر حرب إسرائيل على لبنان 2026، مؤكدًا أنّها ليست مشابهة لتلك التي حصلت في العام 2024 والتي لم تكن حربًا إقليمية، كما هو واقع الحرب الجارية اليوم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. واعتبر أنّ الفارق بينهما ينحصر في ثلاثة عناصر:

  • الأول: تفاقم مشكلة التضخم بسبب ارتفاع أسعار النفط.
  • الثاني: انحسار تحويلات المغتربين بسبب الوضع في الدول الخليجية، والتي ستكون لها تداعيات أكبر من حرب 2024.
  • الثالث: عمليات التدمير الممنهج الواسعة التي تمارسها «إسرائيل» وتشمل بلدات وقرى بأكملها.


الخسائر المباشرة وغير المباشرة
يقدّر فرح الخسائر المباشرة وغير المباشرة بأكثر من مئتي مليون دولار يوميًا. وهو يرى أنّ أحد أبرز أنواع الخسائر يتمثّل في التداعيات العالمية للحرب، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط وعرقلة حركة التجارة البحرية إلى زيادة في معدلات التضخم عالميًا، ما ينعكس ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية، مؤكدًا أنّ الاقتصاد اللبناني الذي يعاني أصلًا من هشاشة كبيرة، سيتحمّل جزءًا كبيرًا من هذه الزيادات.
ويشير إلى أنّ الخسائر لا تقتصر على التضخم، بل ستمتد أيضًا إلى الدورة الاقتصادية في لبنان، فبعد الانهيار الذي بدأ في العام 2019، كان الاقتصاد اللبناني قد بدأ يلمس تعافيًا جزئيًا، إلّا أنّ الحرب ستؤدي إلى ضرب هذا التعافي.
ويلفت إلى أنّ لبنان قد يدخل في مرحلة ركود اقتصادي، موضحًا أنّه على الرغم من تسجيل نمو يقارب 5% في العام 2025، إلا أنّ استمرار الوضع الحالي، سيؤدي هذا العام إلى غياب النمو وعلى الأرجح إلى تسجيل انكماش اقتصادي لم تتضح نسبته بعد.
كما يرى أنّ إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب ستفرض أعباء مالية ضخمة، وقد تؤدي إلى تراكم ديون إضافية سواء على الدولة أو المواطنين أو جهات أخرى، ما سيشكّل ثقلًا كبيرًا على الاقتصاد اللبناني.
ويؤكد فرح إمكان نهوض الاقتصاد والتعافي إذا انتهت الحرب بسرعة، ولكن إذا طال أمدها لخمسة أشهر أو أكثر، فستكون تداعياتها مزمنة وعميقة.
وفي الختام، لا يسعنا سوى تمنّي انتهاء هذه الحرب المدمّرة على لبنان في أسرع وقت ممكن، كي ينجو ما تبقّى من أرواح وممتلكات في الجنوب وسواه من مناطق تتعرض للاعتداءات، وتحافظ الليرة على استقرارها، وإلّا سقط الهيكل على رؤوس الجميع.