حوار وشراكة

من إرث فينيقي عريق إلى منصة للحوار المتوسطي صيــدا 2027 عاصمة للثقافة والحوار المتوسطي…
إعداد: باسكال معوّض بو مارون

في لحظةٍ مفصلية من تاريخها الثقافي، تستعدّ مدينة صيدا لارتداء ثوبٍ جديد يليق بإرثها العريق، بعدما اختارتها الدول الأعضاء في الاتحاد من أجل المتوسط ”عاصمة متوسّطية للثقافة والحوار للعام 2027“، إلى جانب مدينة قرطبة الإسبانية. ولا يُختصر هذا اللقب بتكريم معنوي، بل يشكّل ورشة عمل متكاملة عنوانها الانفتاح والتفاعل والتعاون بين ضفّتي المتوسط، ضمن مسار ثقافي – حواري طويل الأمد يهدف إلى ترسيخ قيم التفاهم والتعايش والتبادل الحضاري.يأتي هذا الاختيار ضمن مبادرة أطلقها ويديرها بشكلٍ أساسي الاتحاد من أجل المتوسط، بالتعاون مع مؤسسة آنا ليندا للحوار بين الثقافات، وتهدف إلى تحويل مدن مختارة في حوض المتوسط إلى منصّات حقيقية للتبادل والتنوّع والتعاون العابر للحدود.ويوضح المسؤول الثقافي في بلدية صيدا الأستاذ هشام جرادي أنّ مفهوم «الحوار المتوسطي» يتجاوز الشعارات إلى التطبيق العملي، إذ يقوم على تبادل ثقافي وفني عبر معارض مشتركة بين المدينتين المشاركتين، وعروض موسيقية تجمع فرقًا من لبنان وإسبانيا تقدّم أعمالها في كلا البلدين. كما يمتدّ إلى حوار ديني – ثقافي يُعنى بمناقشة قضايا التعايش والمواطنة والتنوّع، إلى جانب تعاون أكاديمي وتعليمي من خلال اتفاقيات بين جامعات وبرامج تبادل طالبي وأبحاث مشتركة.ولا يغيب البعد الشبابي عن هذا المسار، إذ يُرتقب تنظيم ورش عمل ومخيّمات ثقافية ومشاريع تطوّعية تجمع شباب المدينتين في مساحات لقاء حيّة. وباختصار، فإنّ «الحوار المتوسطي» يعني تعاونًا عمليًا متبادلًا بين شعوب ضفّتي البحر المتوسط، كما يهدف إلى تعزيز التفاهم وترسيخ السلام وتعميم الثقافة المشتركة.أما اختيار صيدا تحديدًا، فلم يستند فقط إلى بعدها التاريخي والثقافي بوصفها من أقدم المدن المأهولة في العالم، وإرثها الحضاري الممتد إلى العصور الفينيقية، بل أيضًا إلى كونها نموذجًا للتنوّع الديني والاجتماعي والتعايش والانفتاح، فضلًا عن البرنامج الثقافي الواضح الذي قدّمته للفوز باللقب. وقد شكّل هذا المزيج بين التاريخ الحيّ والرؤية المستقبلية عنصرًا حاسمًا في قرار الاختيار.في إطار الاستعدادات، يجري العمل على إطلاق مسار سياحي، ثقافي، وحواري متكامل يُعلَن عنه قريبًا، ليشكّل رافعة للأنشطة المرتقبة خلال العام 2027. كما تتضمّن الخطة تأهيل عدد من المعالم الأثرية بالتعاون مع وزارة الثقافة، ومن بينها خان الإفرنج وقصر دبّانة والقلعة البحرية، إلى جانب تحسين طرق الوصول إليها.ويُعوَّل على أن يكون المتحف التاريخي في صيدا جاهزًا في العام المقبل، فيما تلتزم البلدية تعزيز النظافة الدائمة، وتشجير الطرقات، ورشّ المبيدات، في إطار تحسين البيئة الحضرية للمدينة.


اقتصاد وثقافة وهوية جامعة…
التحدّيات المالية والبيئية التي تواجه المدينة لن تكون عائقًا، وفق جرادي، إذ يجري العمل على تمويل متعدّد المصادر يشمل جهات حكومية ودولية ومؤسسات خاصة ومبادرات محلية. وترتكز المقاربة على مشاريع مستدامة، مثل ترميم المواقع وترشيد استهلاك الموارد، مع إشراك المجتمع المحلي لتخفيف الضغط المالي وتعزيز المشاركة البيئية، إلى جانب رقابة مستمرة على الميزانية والأثر البيئي لضمان استمرارية الأنشطة بعد انتهاء العام 2027.
وستركّز الفعاليات المرتقبة على ستة محاور رئيسة تشمل: التراث والهوية، الحوار الثقافي، الفنون والموسيقى، الشباب والابتكار، التكنولوجيا، والبيئة البحرية؛ في مقاربة تجمع بين الأصالة والتجديد. ويُنتظر أن يشكّل اللقب فرصة حقيقية لتنشيط الاقتصاد المحلي والسياحة الثقافية، من خلال إشراك الحرفيين في المعارض والأسواق المرافقة، ما يخلق فرص عمل ويعزّز دخل الأُسر. كما سيجري توظيف شباب في تنظيم الفعاليات، والإرشاد السياحي، والخدمات اللوجستية والتقنية، مع استخدام اللقب منصةً للترويج للمطاعم والمقاهي والمتاجر والفنادق الصغيرة، وفتح آفاق أمام شركات النقل والخدمات.
ومن ضمن الخطة سيتم تنظيم جولات سياحية مخصّصة تشمل المواقع التراثية والمسارح المفتوحة، والاستفادة من التطبيقات الرقمية لتسهيل تجربة الزوار، إلى جانب مهرجانات موسيقية ومسرحية يُـتوقّع أن تستقطب زوارًا من خارج لبنان، ولا سيما من دول البحر المتوسط. كما ستُطلق حملات إعلامية دولية بالتعاون مع الاتحاد من أجل المتوسط لتعزيز صورة صيدا كوجهة سياحية ثقافية متوسطية. وبالتوازي، سيتم التعاون مع وكالات السفر والفنادق لعرض باقات سياحية مرتبطة بالفعاليات.

تعزيز الهوية المشتركة
لا يكتمل المشهد من دون الدور المحوري لأبناء صيدا ومغتربيها، بحسب السيد جرادي؛ فالمجتمع المحلي مدعوّ إلى الانخراط متطوّعًا في تنظيم المهرجانات والمعارض والحفلات والجولات، وتقديم الدعم اللوجستي والإرشاد والمساهمة في التسويق المحلي، إضافة إلى المشاركة في برامج شبابية تعزّز الحوار والإبداع والتعليم الثقافي، وعرض المواهب في الموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية والحرف اليدوية. أما المغتربون الصيداويون، فهم سفراء الثقافة في بلدان انتشارهم، قادرون على تمثيل هوية مدينتهم عالميًا، ودعم المشاريع المحلية بالخبرات والتمويل، وربط صيدا بشبكات تعاون دولي وبرامج تبادل تحفظ التراث وتعزّز الحضور العالمي.


الرهان الأهم
وفي الختام يؤكّد جرادي أنّ الرهان الأهمّ يتمثّل في تحويل هذا اللقب إلى لحظة جامعة تعزّز الانتماء والهوية المشتركة، عبر إدماج جميع فئات المجتمع ليكونوا شركاء لا متفرّجين، وتعزيز الهوية الصيداوية الجامعة بدل التركيز على الفروقات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية.
كما يجري العمل على إدماج مفاهيم الثقافة والحوار في البرامج الشبابية والتربوية ليكون العام 2027 بداية مسار طويل لا حدثًا عابرًا، مع إحياء التراث المشترك وربط المغتربين بالداخل، ووضع خطة تضمن استمرارية المشاريع الثقافية والحوارية بعد انتهاء العام الرسمي، ليبقى الأثر ممتدًا في الزمن، وتبقى صيدا مساحة لقاء متوسطي حيّة تتجدّد باستمرار.